الشيخ محمد رشيد رضا

269

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وتحرى سبيل الخير . فالآية تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وبيان لطباع الناس واستعدادهم والزبر جمع زبور بمعنى مزبور من زبرت الكتاب إذا كتبته مطلقا أو كتابة عظيمة غليظة قاله الراغب أو متقنة كما في لسان العرب ، فهو بمعنى الكتب والصحف يقال : زبرت الكتاب بمعنى كتبته ، وبمغنى قرأته أو بمعنى المواعظ الزاجرة : قال في اللسان وزبره يزبره بالضم نهاه وانتهره وفي الحديث « إذا رددت على السائل ثلاثا فلا عليك أن تزبره » أي تنهره وتغلظ له في القول والرد . والزبر بالفتح الزجر والمنع . اه وأصل معني الزبر القطع ومنه زبر الحديد قطعه ؛ ويوشك أن تكون الزبر هنا المواعظ والكتاب المنبر جنسه أي الكتب الأربعة أو الزبر صحف الأنبياء والكتاب المنير الإنجيل ( 185 : 180 ) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ، فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ ، وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ ) 186 : 181 ) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً ، وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * الكلام في الآيتين مستقل ووجه تصال الآية الأولى منهما بما قبلها هو أن في التي قبلها تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن تكذيب اليهود وغيرهم له ببيان طبيعة الناس في تكذيب الأنبياء السابقين وصبر أولئك على المجاحدة والمعاندة والكفر . وفي هذه تأكيد للتسلية ، كما قال الامام الرازي من حيث إن الموت هو الغاية وبه تذهب الأحزان ومن حيث إن بعده دارا يجازى فيها كل بما يستحق . وقال الأستاذ الامام إنها تسلية أخرى ، كأنه يقول لا تضجر ولا نسأم لما ترى من معاندة الكافرين فان هذا منته ، وكل ماله نهاية فلابد من الوصول اليه ، فالذي يصير اليه هؤلاء المعاندون قريب فيجازون على أعمالهم ولا تنتظر أن يوفوا جزاء عملهم السىء كله في هذه الدار كما أن أجرك على عملك لا توفاه في هذه الحياة ، فحسبك ما أصبت من الجزاء